الشيخ محمد رشيد رضا

329

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ جهنم اسم من أسماء دار الجزاء على الكفر والفسوق والعصيان أخبر تعالى خبرا مؤكدا بالقسم بان من يتبع إبليس من ذرية آدم فيما يزينه لهم من الكفر والشرك والفجور والفسق ، فان جزاءهم أن يكونوا معه أهل دار العذاب يملؤها منهم أجمعين ، وفي آخر سورة ص ( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) ويدخل في خطابه أعوانه في الاغواء من ذريته والنصوص فيهم كثيرة وقوله « مِنْهُمْ » يدل على أن الملء يكون من بعضهم والا قيل : لأملأن جهنم بكم . وذلك ان بعض من يتبعه من المؤمنين الموحدين في بعض المعاصي يغفر اللّه لهم ويعفو عنهم وفي سورتي الحجر وص استثناء عباد اللّه المخلصين من اغوائه لعنه اللّه حكاية عنه وهو مقابل الأكثر هنا . وأكد سبحانه ذلك في سورة الحجر بقوله ( 15 : 42 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) ونحوه في سورة الإسراء ( 17 : 65 ) وفي سورة إبراهيم عليه السّلام ما يفيد انه ليس له سلطان على أحد ، وانما هو داعية شر وما تبعه من تبعه الا مختارا مرجحا للباطل على الحق وللشر على الخير ، فقد قال في سياق تخاصم أهل النار يوم القيامة من المستكبرين المضلين والضعفاء الذين اتبعوهم في ضلالهم ( 14 : 25 وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) وسيأتي فائدة التذكير بهذا عند تفسير الآيات الآتية في نصح بني آدم وتحذيرهم من طاعة الشيطان وقد استشكل بعض المفسرين ولا سيما المتكلمين منهم خطاب الرب سبحانه للشيطان في هذا التحاور الطويل واختلفوا فيه هل هو خطاب بواسطة الملائكة كالوحي لرسل البشر أم بغير واسطة وكيف وهو يقتضي التكريم ؟ وتحكموا في الجواب حتى قال بعضهم إن الشيطان كان يطلع على اللوح المحفوظ فيعلم مراد اللّه في جواب أسئلته واستشكلوا أمر اللّه تعالى إياه باغواء البشر واضلالهم المبين في سورة الإسراء بقوله سبحانه ( 17 : 64 وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) الآية مع قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ) وإنما يشكل هذا كله على ما جروا عليه من جعل الخطاب للتكليف . وأما إذا جعل الخطاب للتكوين كما صرح به ابن كثير فلا اشكال لأنه عبارة عن بيان الواقع من صفة طبيعة البشر وطبيعة الشيطان واستعدادهما واعمالهما الاختيارية . وللأشعرية والمعتزلة فيها جدل طويل ، فالأولون يثبتون الاغواء والاضلال للّه تعالى وينفون رعاية الرب لمصالح العباد في كل من دينهم ودنياهم ويجعلون